القاضي عبد الجبار الهمذاني
38
المغني في أبواب التوحيد والعدل
سرور ، كما يحصل للوالد بالنفع الواصل إلى ولده . فلذلك لم يمتنع في اللطف الواقع منه أن يكون مباحا متى كان لطفا لغيره . فإن قال : أفليس إذا كان مباحا فله أن لا يفعله فلا يقع اللطف الّذي يجب حصوله ؟ قيل له : إذا كان تعالى / يعلم أنه لا يختاره ، لم يكلفه مثل ذلك الفعل لعدله ؛ وإنما يكلفه ، متى علم أنه يختار ذلك . وقد يجوز ، إن لم يختر ، أن يفعل تعالى ما يقوم مقامه في كونه لطفا ؛ لأنه لا دليل فيما حل هذا المحل على أنه لا بدل له في كونه لطفا ، كما دلت الدلالة على ذلك في العبادات . فإن قيل : أليس اللطف إذا كان من فعله تعالى وجب كوجوبه إذا كان من فعل المكلف ؟ وهلا وجب أيضا متى كان من فعل غير اللّه وغير المكلف ؟ قيل له : إن المكلف يلزمه للتكليف السابق أن يلطف للمكلف ، كما يلزمه أن يقدره ويمكنه . وكذلك المكلف يلزمه أن يجتلب منافع نفسه ، إذا اقترن بها دفع المضرة على ما قدمناه . فلذلك وجب اللطف على المكلّف والمكلّف . فأما غير اللّه سبحانه فلا وجه يوجب عليه أن يلطف لغيره . فجاز في بعض أفعاله أن يكون لطفا ، وإن كان مباحا . ألا ترى أن الواحد منا إذا أمر ولده بالتعلم يلزمه أن يرفق به إذا قدّر في ذلك أنه يتعلم عنده « 1 » . ويلزم الوالد - إذا كان عاقلا - التوصل إلى ذلك إذا كان له فيه نفع ودفع مضرة ؟ وغير الوالد لا يلزمه أن يفعل بهذا الولد ما يقدر أنه أصلح له في باب التعلم ، وهذا ظاهر من باب الشاهد . فإن قيل : إذا جاز في فعل الغير أن يكون لطفا ، وإن كان مباحا ، فجوّزوا في فعله أن يكون لطفا ؛ وإن كان قبيحا لمثل ما ذكرتموه من العلة .
--> ( 1 ) أي عند هذا الرفق .